1.
هناك مشكلة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وهي وجود حالة مِن quot;السرطانquot; المستعصي المتفشية بين أغلبية البسطاء المتعبدين الذين يتبعون جلالة وعظمة البابا. وأي نقد أو عرض لوجهة نظر مختلفة لوجهة نظر قداسة فخامته، تجد كَم معارضات غير منطقية وغير عقلانية لما تقوله، وكأن كلام قداسته وحي يوحى وأفعال معاليه شريعة سماوية لوقتنا الحاضر ومستقبلنا الأبدي.

2.
مشكلة أخرى وهي أن التابعين لجلالة البابا يرون في معالي جلالته quot;بابا وماما وأنور وجديquot;، أي يرونه صورة الإله الذي يوحى له والصدر الحنون والملجأ الدافئ والنجم الساطع الذي ينير ظلام الحياة الدنيا. كثيرون يرونه مصدر الراحة في دولة الكنيسة وهو مصدر الطعام الجسدي والروحي وهو راعي الرعاة الذي يعرف أكثر منا ومِن الآخرين، وهو الباب الصالح ضد هجمات الذئاب الخاطفة مِن ذوي التعاليم الأخرى أو مِن رجال الأمن ومسؤولي الدولة المدنية، ويقولون لك: ألم يستوى على عرش الكرازة المرقسية باختيار الرب الأعلى؟؟


وبناء على ذلك فهو الذي يفتش لهم في الكتب المقدسة، وهو الذي يفسر ويقدم لهم الطعام الروحي المناسب لطفولتهم الروحية تلك. مما ترتب على ذلك أنه عند وجود أي طعام آخر أكثر نضجاً فلا يستسيغه الرعية ما لم يوافق عليه بابا أو ماما أو حاشيتهم المباشرة، لذلك نجد صورة جلالته تتصدر الكتب المَرضي عنها، والمُراجعة مِن قِبلْ نواب ومساعدي الجلالة العظمى.

3.
بعد نشري للمقال الأخير: quot;لماذا لا يتبع جلالة البابا السيد المسيح؟quot;، انهالت عليّ الشتائم والكلمات القبيحة مِن كل حدب وصوب. لقد توقعت ردود الأفعال هذه. فكما قلت سابقاً لقد حاولت مناقشة الورم السرطاني المستشري في جسد الكنيسة المصرية، ولأن الورم تفشى حتى النخاع في معظم جسد الكنيسة الذي يطلق عليه جسد المسيح، فكان لابد مِن تشريح الورم كما هو دون استخدام مُغيبات وعي، حاولت مناقشة الورم السرطاني دون استخدام quot;بنجquot; متمثل في كلمات ناعمة أو مصطلحات هادئة. نعم، كنت عنيفاً في مقالتي السابقة. فما رأيته وما أراه أن معظم الشعب القبطي المسيحي الأرثوذكسي يتبع جلالة وعظمة البابا والحاشية المحيطة به.

4.
حين نقرأ رسائل رسول المسيحية العظيم بولس نجده يقول عن نفسه أنه quot;عبد يسوعquot; وتتكرر هذه الجملة كثيراً في مقدمات معظم الرسائل. وقبله السيد المسيح الذي قال جل شأنه: جئت لكي أخدمكم لا لكي تخدمونني.


وحين نقرأ في سير الرهبان الأوائل قبل انحراف الرهبنة عن هدفها الأسمى نجد عيشة الرهبان البسيطة وتجوالهم المستمر بين البلاد بطهارة ونقاء للخدمة الاجتماعية بكل فروعها ومعانيها.


حتى أن القرآن الكريم ذكرهم قائلاً: إنهم لا يستكبرون.
نعم لقد كان الكبار منهم سابقاً لا يستكبرون.

5.
وكم ألمني وأحزنني طريقة وقوف المهنئين بعودة جلالة البابا مِن رحلة العلاج الماضية في طابور طويل يمتد مئات الأمتار لتقبيل يديه الكريمتين، وهناك الأساقفة الذي ينظمون التقبيل والآخرين الذين يحرسونه مِن الجانبين ومعاليه يجلس في أفخم السيارات.
كان السيد المسيح الذي جاء نوراً للعالم مِن ألفي عام يذهب للمحتاجين والمعوذين والمرضي.
لماذا نحن الآن نطبق شعار: quot;اللي عايزيني يجيني أنا مبروحش لحدquot;؟؟
كَم رحلة رعوية قام بها جلالته لتفقد رعيته المضطهدة والمنبوذة في كل أيبرشيات الصعيد؟ في مقابل تفقده لأبرشيات أمريكا وأستراليا وبلاد الأموال الكثيرة؟؟

6.
ليس بيني وبين جلالة البابا وبين عظمة الحاشية المحيطة بعظمته أي علاقات أو مصالح أو احتياجات، لكن ما اشاهده وما اسمعه مِن كثيرين مِن الشعب القبطي المسيحي أنه لكي تصل إلى جلالته فلابد أن يكون له واسطة كبيرة تفوق مكانة مار مرقس الرسول نفسه.


وجود جلالته وجلالة المحيطين به في قصور منيعة تحيط بها حراسات وثكنات بشرية منيعة تمنع المريدين مِن الوصول لهم يذكرنا بجلالة وعظمة وفخامة كبار المسئولين في إدارة النظام المصري الذين يحكمون البلاد بقبضة حديدية مِن خلال أماكنهم المنيعة المجهولة عن طريق ارسال التعليمات بواسطة وكلاء الوكلاء.
يقول النص المقدس أن الإله في العهد العتيق لم يره أحد قط، لكن ملائكته الأطهار كانوا يوصلون رسائله إلى الشعب المختار، وهكذا الحال في أيامنا المختارة هذه، كيف أن المختارين مِن المطارنة والمقربين هم الذين يسمحون بوصول رسائل الشعب مِن وإلى جلالته طبقاً لارتياحهم الشخصي.

7.
وما ترتب على ذلك أن مسؤولي الأمن أو قل مسؤولي النظام المصري الحاكم يتلاعبون كيفما شاؤوا بأبناء البابا وغيرهم الغير ناضجين الذين يهربون إلى دولة الكنيسة، وليس إلى دولة القانون. لقد أصبحنا نعيش في دولة تحكمها قوانين القبائل وكبار القبيلة وخواطر شيوخ القبائل هي التي تتحكم في مجريات الحكم.

السؤال الأخير، متى ينضج التابعين؟ متى يتحول المفعول بهم إلى أفراد فاعلين؟ كيف يتحول قطيع الصغار إلى أفراد ناضجين يأكلون اللحم ولا يكتفون بشرب اللبن العقلي، حتى يكونوا ناضجين وفاعلين للمجتمع العام ويمارسوا مواطنتهم؟؟



[email protected]